السيد محمد تقي المدرسي

35

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

حقائق عن مدرسة الاعتزال لم يعارض أصحاب المدرسة الاسم الذي أطلقه عليهم أعداؤهم ، ربما تفاؤلًا بآية سورة الكهف التي قصت اعتزال الفتية المهتدية قومهم الكافرين فراراً بدينهم ، بيد أن مدرسة الاعتزال - بعكس أصحاب الكهف - كانت تعتزل عادة الجماهير التي تبرمت من تعقيداتها الدينية في تفسير الدين ثم تأوي إلى كهف السلطات الحاكمة لتحميل ثقافتها الغريبة منافسيهم من العلماء . مثلًا ( عمرو بن عبيد ) كان صديقاً للمنصور ، و ( أبو الهذيل العلاف ) كان أستاذ ( المأمون ) و ( أبو داود ) كان قاضي القضاة للخليفة العباسي ( المعتصم ) « 1 » . وقد كانت علاقتهم الوثيقة بالمأمون العباسي سبباً لانتشار مذهبهم في كافة البلاد ، حيث أصدر المأمون أمراً إلى حاكم مصر في عام 218 ه - يأمره بتأييد مدرسة الاعتزال ، وهو بدوره أخضع قاضي البلاد لها تحت طائلة الجلد ، وقد كتبوا على المساجد هذه العبارة : ( لا إله إلا الله رب القرآن المخلوق ) « 2 » . ونظرية خلق القرآن كانت من أبرز نظريات المعتزلة التي سببت لسائر الفقهاء والمحدثين أذىً كثيراً . وهكذا انتشرت مدرسة الاعتزال بدعم من السلطات السياسية ، وأيضاً بسبب براعة قادة هذا المذهب في فن الجدل ، ودفاعهم عن نظرياتهم ضد موجات الشبهة التي اجتاحت البلاد من قبل المتأثرين بالمذاهب المادية الوافدة من بلاد الهند وفارس . إن مدرسة الاعتزال اختلفت في أشياء كثيرة ، إلا أنها اتفقت في الأمور التالية « 3 » :

--> ( 1 ) ( ) المصدر ، 67 . ( 2 ) ( ) المصدر . ( 3 ) ( ) اختلف المؤرخون فيما اتفق عليه المعتزلة ، ونحن نجري هنا على ما قاله ابن المرتضى في كتابه ( المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل ) انظر ( تحقيقي در مسائل كلامي ) ص 18 ، فارسي .